لماذا نعرف كل شيء عن حياتنا ونجهل معناها

كثيرون يعرفون كيف يعيشون لكن قلة فقط تعرف لماذا تعيش هذا النص يضعك امام سؤال المعنى ويقودك في رحلة فكرية عميقة بين المعرفة واليقين لتقترب اكثر من حقيقتك الداخلية

لماذا نعرف كل شيء عن حياتنا ونجهل معناها
عقول: بين العِلم والمعرفة


يتحدث فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الذي عاش تجربة المعتقلات النازية، عن حقيقة عميقة مفادها ان الانسان يستطيع ان يتحمل الالم اذا وجد له معنى، لكنه قد ينهار في حياة مريحة خالية من المعنى. كثير من الناس يعرفون كيف يعيشون، يعرفون وظائفهم، مشاريعهم، ادوارهم الاجتماعية، وعناوينهم اليومية، لكن القليل فقط يتوقف ليسأل السؤال الاكثر جوهرية: لماذا اعيش اصلا؟ ولهذا السبب، حين تسال انسانا عما يريده حقا من الحياة، يتلعثم. ليس لانه يجهل تفاصيل حياته، بل لانه لم يبن بعد فهما واضحا لمعناها.

نحن نعرف اشياء كثيرة عن انفسنا وعن غيرنا. نعرف ان هذا الشخص خدوم، وذاك مزاجي، نعرف ماذا نفضل في الطعام، وفي اي مجال نعمل، وما الذي نتقنه. لكن حين نسال: ماذا تريد فعلا من الحياة؟ غالبا ما تاتينا اجابات عامة مثل الراحة، السعادة، الاستقرار. كلمات متداولة اكثر مما هي معرفة حقيقية.

في الاستخدام اليومي، تشير المعرفة الى تراكم الخبرات، والاحتكاك المباشر بالاحداث والناس، والذكريات التي تترسب في وعينا ولا وعينا. اما العلم فهو خطوة ابعد، انه تنظيم هذه المعرفة، والبناء عليها بمفاهيم وقوانين ومناهج، ومحاولة الاجابة عن اسئلة الكيف ولماذا، بدل الاكتفاء بملاحظة ماذا يحدث.

يمكن تصور المراتب على النحو التالي: معرفة، ثم علم، ثم يقين. المعرفة تجيب عن اسئلة من واين، والعلم يجيب عن كيف ولماذا، اما اليقين فيتعلق بمدى امكانية الركون الى هذه النتائج والاطمئنان اليها في توجيه الحياة والقرار.

من المفارقات اللافتة ان انسان اليوم قد يعرف ادق تفاصيل حياة المشاهير، ويحفظ نتائج الفرق الرياضية، ويتابع اخبار الاقتصاد والتقنية، ومع ذلك اذا سئل: ماذا تريد انت بالضبط من حياتك؟ يصمت، او يدور في دائرة من الكلمات الفضفاضة التي لا تقوده الى معنى واضح.

الفلاسفة من سقراط الى يومنا هذا كرروا نداء واحدا: اعرف نفسك. لم يكن سقراط يطرحه كشعار تحفيزي او تنموي، بل كشرط اخلاقي وفلسفي للحياة نفسها. فالحياة عنده لا تستحق ان تعاش اذا لم تفحص، واذا لم يقف الانسان امام مرآة وعيه ليسال: من انا؟ ولماذا افعل ما افعل؟ هذا الفحص المستمر للنفس هو محاولة لتحويل المعرفة المبعثرة عن ذواتنا الى علم اعمق بحقيقتنا وحدودنا.

وفي تراثنا الاسلامي، يربط ابو حامد الغزالي بين معرفة النفس ومعرفة الرب. فالقلب عنده كالمراة، كلما صقل من الشهوات والشبهات انعكس عليه نور الحقيقة بوضوح اكبر. حين يتامل الانسان ضعفه، وتناقضاته، وتقلب احواله، يدرك محدودية علمه وعزمه، ويدرك حاجته الى من يعلم السر واخفى. وهنا تتحول رحلة اعرف نفسك الى باب من ابواب اعرف ربك.

القران يعيد الانسان الى نقطة الحسم حين يربط العلم الحقيقي بالله، ويضعه امام حقيقة ان كل ما نملكه من علم ليس سوى ظن محسن، اما الاحاطة الكاملة فليست لنا. فالانسان يتعلم، ويفهم، ويجرب، لكنه لا يحيط بكل شيء علما.

وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام، يقول الخضر: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. لم ينف عن موسى اصل العلم، لكنه نفى عنه الاحاطة بما سيجري امامه. والخبر هنا علم قائم على وحي وتكليف الهي مباشر. اذا كان هذا حال نبي عظيم، فكيف بنا نظن اننا احطنا علما بانفسنا وحياتنا لمجرد بعض التجارب والقراءات والانطباعات؟

يمكن تصور اربع دوائر متداخلة: دائرة المعرفة عن النفس، ثم دائرة العلم حيث يدخل التامل والتحليل والفلسفة والدين، ثم دائرة اليقين التي لا يبلغها الانسان بقوته وحده، بل بصدق التوجه الى الله وبالانسجام بين ما يؤمن به وما يعيشه، ثم دائرة علم اليقين، حيث تتحول المعرفة والعلم والتجربة الى نور داخلي، وسكينة، وحكمة في القرار.

بهذا المعنى، الانسان لن يحيط بنفسه علما احاطة كاملة، لان نفسه متغيرة، معقدة، ومتقلبة. لكنه مكلف بالسير نحو معرفة نفسه وفهمها، لان معرفة النفس طريق لمعرفة رب النفس وقدرها وحدودها.

وبعد هذه الرحلة بين المعرفة، والعلم، واليقين، وعلم اليقين، يبقى السؤال مفتوحا لك انت شخصيا: هل علمت من انت الان حقا؟ وان لم تكن الاجابة حاسمة، فلا باس. فهذا الاعتراف بذاته اول ابواب الصدق مع النفس، واول خطوات السير نحو معنى اصدق للحياة.